الاثنين، ٩ كانون الثاني، ٢٠١٢

الممثل الشرعي والوحيد لجماعة برة

"الهوية" ربما كان هذا هو الجواب المناسب الذي لم يحضرني حين سألني معلم لي عن أسباب حزني الذي ارتفع منسوبه في قسمات وجهي.. فقد أجبته: صدقا .. ليس هناك سبب محدد أستطيع القبض عليه.

لكن ولأنني أبحت لنفسي بعض التنفس في حجرة فريدة من نوعها هي سيارتي... وجدتني أجيب وكأنني وجدتها: نعم هي الهوية ..

فحين انتهى مقامنا في الكويت باحتلالها كنت قد التحقت بالجامعة في الأردن، وكان يشار لي بـ"البنت الكويتية".. أو "ثائرة الكويتية"... وحين انقضى أجل على ذلك ... صرت بالتدريج الممل أدعى "من فلسطينية الكويت"... والصراحة أنني اجتهدت كثيرا لأتعلم ما لم يعلمنا إياه الوالدين رحمهما الله لأعرف بنفسي بأنني "أردنية"...حتى التحقت بأول عمل لي بعد تخرجي بنحو شهرين في مؤسسة أمريكية .. خلال تلك الفترة، وخلال إحدى الندوات التي نظمتها تلك المؤسسة هنا في الأردن التقيت بأحد المتحمسين للخطابات الصحفية الملغمة، فقال لي: أنا بعرفك من أيام الجامعة.. بس عمري ما تخيلت إنك ممكن تصيري أمريكية القلم.

طيب ... وبعديييييييين؟؟! يعني أغني "وصفولي الصبر".. ؟!!

حين يستلزم الأمر معاملة ما يسألني الموظف: عقرباوي الأردن وإلا عقرباوي فلسطين. وكنت قد أجبت أحدهم من فرط "مللي" من هذا السؤال: عقرباوي الهنود الحمر.

يا ربي حتى أنني في لقاء تدريبي التقيت بفتاة كويتية فسألتني : انتي فلسطينية فلسطينية وإلا أردنية مالت (صاحبة) جنسية؟

قلت لها مداعبة: ذكرتيني بعبد الحسين عبد الرضا حين لعب دور تاجر يحاول تفسير ما لا يفسر للوزير في مسرحية فرسان المناخ فقال: "لا يبا ... شركة بيض الخفقع تختلف اختلاف كلي عن شركة فرخ الخفنقع. بس بيض الخفقع لنا، وفرخ الخفنقع هم لنا."

ولكي تكتمل دائرة الحزن فإنني حين ألتقي أو أتناقش مع أحد من أهلنا في فلسطين يقول لي مثلا: يا عمي انتو جماعة برة مرتاحين... أو مثلا يا عمي انتو جماعة برة ما حدا بعرفلكم... أو يا حبيبتي انتو جماعة بره ناس مريشين...مدلعين... مهفهفين.. إلخ إلخ...

إنتو جماعة برة؟!!

هه.. "برة" ..

نعم أنا كويتية أمريكية أردنية فلسطينية براوية... ماشي. لكني بحسبة بسيطة أستطيع أن أبرر كل ذلك اللقب الطويل الذي يمكن أن يقع في خانة الهوية بمفهومها الورقي.

كويتية لأن رأسي سقط من رحم أمي هناك، وتربيت وتعلمت هناك على فطرة صرت أشتهيها اليوم... وأعلم جيدا أنها شهوة باتت في حكم الماضي.

أمريكية لأن هناك "شطار" هوايتهم التخلف وتأجير عقولهم للجهل والمتاجرة بالكلمات الرنانة.

أردنية لأنني لا أستطيع أن أنقسم على نفسي ولا أن أرمي حجرا في بئر أشرب منه وإن كانت مياهه شحيحة.. فجميعنا هنا يشرب من ذات البئر، إلا من غضب عليهم ربي... "ويحسبون أنهم يحسنون صنعا".

فلسطينية لأنني لا أستطيع تغيير دمي .. ولا أستطيع استبدال "تركة" حتى لو بالوصية لأن الحديث الشريف يقول "لا وصية لوارث". وفلسطين في كل الأحوال هي لأمثالي "عشق" يصل حد التصوف ولا نستطيع ترجمته ... ومن قال أن العشق ينبغي أن يكون حالة من الكمال فقد خرج عن جادة العشاق ودخل في جادة التشريح، ولكم أن تتخيلوا شخصا يشرح فلسطين.. أو حتى سويسرا.

"براوية"؟ على راسي حتى لو كنت الممثل الشرعي والوحيد لـ "جماعة برة"، لأنه من الطبيعي أن يقول "الجواني" عمن هو خارج المكان "براني"... وبالتالي هو لم يخترع البارود. أما رأيه في كوننا مدلعين ومهفهفين، فليس له إلا أن يجرب أن يكون "برانيا" لأنني متأكدة أن وصوله لمرحلة "الدلع" و "الهفهفة" سيكون وصولا "ربانيا"..

لماذا أنا حزينة؟

لأنني رغم جنوني معلقة بحبل في رقبتي وأقف على أطراف قدمي فوق كرسي من المسؤوليات التي تجعلني "أكبح" جنوني القديم.. وأتغاضى ..ولا ألتفت.

كل من يعرفني .. أو يعرف "طراطيش" جنوني، يستطيع أن يقرأ صفحة وجهي حتى لو تمددت الابتسامة على أنحائه. ومع ذلك فإن ابتسامتي لا تكذب، فأنا مازلت قادرة على استعمال بقايا فطرتي..

هل ينقطع الحبل؟ هل يسقط الكرسي؟ لا أفكر كثيرا في الأمر، ولسان حالي يردد:

لا تلم كفي إذا السيف نبا

صح مني العزم والدهر أبى


تصبحون على هوية... " آخر هفهفة"!



0 comments:

Share it

المشاركات الشائعة