الثلاثاء، ١٧ كانون الثاني، ٢٠١٢

حمار لكن صاحب موقف

سأبدأ بلازمة شهيرة للاعلامي المشكلجي توفيق عكاشة فأقول "الحئييييئااا" أن المفارقة وحدها هي التي جعلتني أربط ما نحن فيه من ربيع بما في بطن العالم الشعبي الخليجي الذي قال "انطر يا حمار لين يجيك الربيع". كنت في الأساس أحاول تبرئة الحمار من التهم المنسوبة إليه لكنه كان تفسيرا رومانسيا ارتكزت فيه على إعجابي بطول صبره مع افتتاني بعينيه الطيبتين وأذنيه الصغيرتين اللتين تتناسقان مع تقاطيع وجهه. لكني وانطلاقا من زحفي نحو الواقع ونبذي للرومانسية التي تصير أحيانا تشبه الطائفية البغيضة رحت أفتش وأنقب، فوجدت أن...

الحمار جمعه حمير وأحمرة وأنثى الحمار هي الأتان ويمكن أن يقال أنها حمارة، وتصغير الحمار (أي دلعه) هو حمير (بضم الحاء وتسكين الياء). والعجيب أن للحمار كنية فيقال عنه أبو صابر وأبو زياد. أما الحمارة فهي أم نافع وأم جحش وأم وهب.

وفي تعريفه جاء أنه حيوان من فصيلة الخيل " أَهْلِيٌّ شَدِيد الصَّبْر عَلَى الكَدِّ " وفي الموسوعة العلمية ما يشير إلى أن حليب الأتان هو الحليب الأقرب لحليب أم بني الإنسان. (فشر النيدو)

وقد وصف روبرت غرين أحد أنواع الحمير قائلا: " هذا النوع، يملك وداعة البقرة، جلد البغل وشجاعة النمر، وذكاءا يقارب أخاه الإنسان."

والمعروف أن الحمار ضالع في سلوك الطرقات الوعرة تحديدا، والتي يحفظ مداخلها ومخارجها حتى لو مشى فيها ولو مرة واحدة (يعني مش ثور الله في برسيمه). كما يتمتع الحمار بحدة سمع وقدرة تحمل تفوق الحصان غير أنه متهم بعناده، وهي تهمة في غير محلها ذلك أنه صاحب حدس فطري تغذيه الرغبة في البقاء، لذا فمن الصعب إرغام أو تهديد الحمار على فعل شيء ما ضد رغبته (يعني صاحب موقف).

وتقول الموسوعة أن الدراسات العلمية تظهر الحمار ذكيا، حذرا، حميميا، لعوبا، ومتعلما متحمسا، ما يجعله صديقا للحصان (وعادي ممكن يصير بينهم نسب) لطبيعته الهادئة مقابل عصبية الحصان، وأثبتت التجربة أنه إذا وضع مهر بجوار حمار وفرس، فسيتوجه للحمار بعد أن يبتعد عن أمه الفرس. (يعني المهر قليل أصل).

وقد أثبتت الدراسات العلمية انه يمكن استخلاص عقاقير ومنشطات جنسية من جلود الحمير دون أية آثار جانبية (حماياغرا يعني ومسؤول عن الكيف).

ويتواجد حاليا 44 مليون حمار في العالم، 11 مليون منها فقط في الصين، تتبعها باكستان، أثيوبيا والمكسيك، لكن عددها أكثر (بدون فضائح) نظرا لأنها ليست ضمن الإحصائيات.

استخدم الفلسطينيون الحمار في صراعهم مع الإسرائيليين حين قاموا بحمل الطوب والبلور الصغير والأسلحة، كما استخدموه في الانتفاضة الثانية لنقل كل شيء حتى أجهزة الكمبيوتر. وقد جاء في مقالة طريفة للكاتب الفلسطيني غازي الحمد بعنوان "صاحب المهمات الصعبة" أن الفلسطينيين وجدوا في الحمار «سيارتهم المفضلة» لتجاوز الحواجز ودوريات جيش الاحتلال .

وساعد الحمار في إنجاز فيلم تسجيلي للمخرج حنا مصلح بعنوان (شباك العنكبوت)، والذي صوره في نابلس والخليل ولولا الحمار لما ظهر الفيلم، الذي يتحدث عن معاناة عائلتين فلسطينيتين من الاحتلال. وقال مخرج الفيلم انه اضطر وطاقمه الاستعانة بالحمير لاجتياز الحواجز الإسرائيلية التي تحول دون تنقل الفلسطينيين بحرية.

ويقول عيسى صوان من مدينة نابلس ان الحمار لعب دورا كبيرا في حياته رغم انه لم يتصور قط ان يركب حمارا , ويقول « بسبب الاغلاق لم نستطع الوصول الى المدرسة التي اعمل فيها , كانت السيارات لا تستطيع ان تمر عبر الطرق الوعرة , وهي الطرق الوحيدة التي يمكن ان توصلني للمدرسة فلم نجد الا الحمار », واضاف « كان صاحب الحمار قد جهزه لمثل هذه المهمة اذ ان الطلب كان عليه كثيرا», غير ان صوان اشتكى من ان بعض اصحاب الحمير بدأوا في استغلال الوضع ورفع الاسعار (لاحظوا أن الذي رفع السعر هو صاحب الحمار), وقال ان سعر النقلة بالحمار اصبحت في كثير من الأحيان اغلى من السيارة».

وأدى ازدياد الطلب على الحمير إلى ارتفاع اسعارها، واكتشف الفلسطينيون فجأة أن الحمير أنواع، اغلاها الحمار القبرصي (طول عمرها قبرص صاحبة واجب)، ويمكن أن يستخدم في مهام حربية مثلما حدث نحو عام 2003 في بلدة الخضر، حين قامت مجموعة مقاومة بتفخيخ حمار وتفجيره قرب قافلة عسكرية إسرائيلية في البلدة المحاطة بالمستوطنات. (يعني حمار استشهادي وفي مقولة أخرى انتحاري).

لكن وكالعادة فإن هذه الشراكة الطويلة بين الإنسان والحمار لم تنجو من لؤم بني البشر ومن كثير من الخرافات والأوصاف التي ابتدعها الانسان ضد أخيه الحمار. فأصبحت لفظة حمار أسهل الشتائم الشائعة في العالم وعلى رأسها العالم العربي.

لكن للحمار مكانة خاصة عند شعوب العالم المتحضر. ففي الوقت الذي تصاب فيه الدنيا بالطرش في مسألة حقوق الإنسان اخصوصا الذي يشتغل شغل (حمار بالعربي)، قامت مدينة بلاكبول الساحلية شمال غربي إنجلترا بتطبيق قواعد صارمة للحفاظ على الحمير إحداها ألا تتجاوز أيام عمل الحمار ستة أيام في الأسبوع ما بين العاشرة صباحا وحتى السابعة مساء تتخللها ساعة راحة يومياً لتناول وجبة الغداء، علاوة على إجراء اختبارات صحية إلزامية قبل بدء موسم الصيف.

والحمار يا سادة يا كرام هو شعار الحزب الديمقراطي الأمريكي (أطال الله بقاءه) حيث اتخذه الحزب شعارا إكراما لصبره. أما الفرنسيون (أهل الموضة والإتيكيت الذين لم نأخذ منهم إلا "طعج" الكلام، فقد خصصوا يوم السادس من أكتوبر من كل عام ليكون يوم الحمار.

وقد نشرت وكالات الأنباء في العام الماضي خبرا طريفا مفاده أن مدينة " فارنا" البلغارية، رشحت حماراً لمنصب عمدة المدينة، وذلك في الانتخابات التي جرت في 23 أكتوبر، وكانت اللجنة المركزية لانتخابات البلديات، أعلنت رسمياً قبول الترشيح.

ووفقا لوكالة "أنباء صوفيا" البلغارية فإن حزب "مجتمع بلغاريا الجديد" قد رشح الحمار (ماركو)، مؤكداً أنه أبرز منافسي العمدة الحالي للمدينة، كيريل يوردانوف، للفوز بالمنصب.

ونقلت الوكالة عن أعضاء الحزب قولهم: "لقد رشحنا الحمار للمنصب، لأنه لا فرق بينه وبين العمدة الحالي يوردانوف، فكلاهما مطيع لسيده"، وأضاف أعضاء الحزب: "العمدة الحالي يوردانوف خادم مطيع لسيده رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف".

وعقد مؤتمر صحفي لتدشين حملة الحمار "ماركو" التي بث التليفزيون لقطات منها، ونقلت الوكالة عن أنجل داينكوف، قائد حملة الحزب، لترشيح الحمار: "هناك عدة فروق بين الحمار ماركو وبقية المرشحين لمنصب العمدة، فهو يمتلك شخصية قوية، ولا يسرق ولا يكذب، كما أنه يعمل بجد". (يعني مؤشرات الأداء عنده عشرة على عشرة)

أما أسباب اختيار "ماركو" تحديدا (ودونًا عن باقي حمير بلغاريا) فذلك لأنه بالنسبة لهم فأل خير إذ أنه ولد في 10 نوفمبر 1989، وهو اليوم الذي سقط فيه حكم الديكتاتور الشيوعي البلغاري تيودور جيفكوف، والسبب الثاني الذي ينبىء بشفافية ممتازة عند القائمين على العملية الانتخابية هناك هو أن الحمار يزيد عمره عن 20 عاماً، وقد بلغ السن القانونية للترشح".

أما عندنا فقد قاسى الحمار ويلات التجني وحكايات الخيال العربي العجيب. وكان قد روي أن مغنيـًا كان يركب حماره مر برجل يعلم الأطفال وكان المغني يشدو ويردد بيت الشاعر جرير :


يا أم عمرو جزاك الله مغفرة ........ ردّي علي فؤادي كالذي كانا

فحين سمع المعلم هذا البيت هام عشقا وحبًا بأم عمرو التي سمع بها دون أن يراها كما جاء في شعر بشار بن برد عن الحب السماعي الأعمى حين قال :


ياقوم إن أذني لبعض الحي عاشقة ...... والإذن تعشق قبل العين أحيانا

لكن المعلم المسكين وصل به العشق حد الهيام حتى اصفر لونه وشحب بدنه وتغيرت طباعه وصار يهذي باسم أم عمرو ومرت الايام وبينما هو على هذا الحال مر عليه نفس الرجل راكبا حماره يغني ويردد بقوله:

ذهب الحمار بأم عمرو ....... فلا رجعت ولا رجع الحمار

فشهق المدرس واجهش باكيًا ظنا منه أن حبييته التي لم يرها قد فارقت الحياة طالما ان الحمار ذهب بها ولم ترجع ولم يرجع الحمار ..
قأغلق الأخ المدرسة وصرف التلاميذ وهجر التدريس وعاد الى بيته واعتزل الناس وعاش في كمد (وانتشرت الأمية والجهل لعيون أم عمرو).

واختلف التاريخ في تفسير أسباب تسمية آخر خلفاء بني أمية الخليفة مروان بن محمد بن مروان بن محمد ابن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص (لاحظوا التوريث الممل) الذي لقب بمروان الحمار، فقالوا أنه من قبيل المدح لا الذم دلالة على صبره، فيما قال آخرون أن الحمار عند العرب القدماء هو كناية عن المئة سنة، ولما كان عهد الخلافة الأموية قد قارب المئة في عهد الخليفة مروان فقد ألصق به ذلك اللقب (لزقة إنجليزية)لازمته حتى يومنا هذا.

وربما من هذه الرواية الأخيرة نسنتنتج أن حكم القذافي مثلا كان قد قارب "صرة" الحمار، وأن حكم حسني مبارك مجموعا مع افتراض نجاح توريث جمال وانتقاله إلى حفيد واحد كان من الممكن جدا أن يصل إلى حمار بالتمام والكمال.

وفي العام المنصرم بفصوله الربيعية الأربعة، شهدنا مجزرة الحمير التي ارتكبها أزلام الدكتور صاحب المقولة المشهورة "الله، سوريا ، شعبي وبث" والتي ختمها بابتثــامة ملائكية. وربما كانت هذه المجزرة رسالة يقول فيها لأعداء حكمه أنه "يقدر على الحمار" ولا حاجة له للتشطر على البردعة.

عموما، علينا أن نتفاءل فالأخبار تقول أن بلدة قرب مكناس في المغرب أقامت مهرجانا للحمير تعبيرا عن قناعتهم وانتصارهم لهذا الكائن المظلوم، وبالتالي هي انتصار لكل المظلومين من بني الإنسان. كما أن جمعية معنية بالحمير في كردستان العراق قامت مؤخرا بتشكيل حزب يسمى حزب الحمير على اعتبار أن الحمار حيوان خدوم ويشقى ويتحمل ولكنه محروم من جميع الحقوق, وأنه أنقذ الكثير من السياسيين والقادة بالهروب على ظهره بين الجبال، ومع ذلك فإن سعره زهيد.

صحيح أن المبادرة لم تكن منا نحن العرب (كالعادة) لكن يعني هي بادرة جيدة.

السؤال الذي كان يستفزني: لماذا حين غنت شادية للحمار بدلعها الرائع "شي يا حماري حا يا حماري قلبي عليك من طول مشواري" وجدت من يردد تلك الأغنية ويسميها بالأغنية الخفيفة، لكن حين غنى سعد الصغير "بحبك يا حمار" اتهموه بالابتذال؟! الحقيقة أن النقاد استغلوا وجود كلمة "حمار" في أغنية الصغير، وتناسوا ذاكرة الغناء القديم. كان الأولى بهم أن يتكلموا في حدود خامة الصوت والألحان والمقامات .. أما الحمار فكان "كبش" فداء، لكنه يظل دائما "صاحب موقف"!!!

تصبحون على خير

0 comments:

Share it

المشاركات الشائعة